جلال الدين السيوطي
529
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
ولكنّي أحدثك : كنت شابا مقتبلا ، فتزوّجت ، فولد لي ، وولد لأولادي وأنا حيّ . ثم أنشد : إذا الرجال ولدت أولادها * واضطربت من كبر أعضادها وجعلت أسقامها تعتادها * فهي زروع قد دنا حصادها فقلت له : في نفسي شيء أريد أن أسألك عنه . قال : سل . فقلت : حدّثني بما جرى بينك وبين سيبويه من المناظرة . فقال : والله لولا أني لا أرجو الحياة من مرضتي هذه ما حدّثتك : إنّه عرض عليّ شيء من الأبيات التي وضعها سيبويه في كتابه ، ففسرتها على خلاف ما فسّره ، فبلغ ذلك سيبويه ، فبلغني أنّه قال : لا ناظرته إلا في المسجد الجامع . فصلّيت يوما في الجامع ثم خرجت ، فتلقّاني في المسجد ، فقال لي : اجلس يا أبا سعيد ، ما الذي أنكرت من بيت كذا وبيت كذا ؟ ولم فسّرت على خلاف ما يجب ؟ فقلت له : ما فسّرت إلا على ما يجب ، والذي فسّرته أنت ووضعته خطأ ، تسألني وأجيب . ورفعت صوتي ، فسمع العامة فصاحتي ، ونظروا إلى لكنته ، فقالوا : غلب الأصمعيّ سيبويه . فسرّني ذلك ، فقال لي : إذا علمت أنت يا أصمعيّ ما نزل بك مني لم ألتفت إلى قول هؤلاء . ونفض يده في وجهي ومضى . ثم قال الأصمعيّ : يا بني ، فوالله لقد نزل بي منه شيء وددت أني لم أتكلّم في شيء من العلم . في شرح الكامل للبطليوسيّ مسألتان حملتا سيبويه على ملازمة الخليل ، إحداهما : أنّه أتى حمّاد بن سلمة ، فقال له : حدّثك هشام بن عوف عن أبيه في رجل رعف في الصلاة ؟ فقال له حمّاد : أخطأت ، إنّما هو رعف . فانصرف إلى الخليل ، فشكى إليه ما لقيه من حمّاد ، فقال : صدق حمّاد . والمسألة الأخرى أنّه لما قدم البصرة ليكتب الحديث ، لزم حلقة حمّاد ، فبينما هو يستملي على حمّاد قول النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) : « ليس من أصحابي إلا من إذا شئت أخذت عليه ليس أبا الدرداء » فقال سيبويه : ليس أبو الدرداء . وظنّه اسم ليس . فقال له حمّاد : لحنت